جوزيف الياس سركيس - الجمعة 20 شباط 2026
بعد أزمة بنك «إنترا» في عام 1966، صدر القانون الرقم 67/28 في 9 أيار 1967 لـ«تعديل وإكمال التشريع المتعلق بالمصارف وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية».
بموجب المادة 8 من هذا القانون، أنشئت لدى مصرف لبنان لجنة مستقلة للرقابة على المصارف، لا تخضع ممارسة أعمالها لسلطة المصرف وترتبط بها دائرة الرقابة المنصوص عليها في المادة 148 من قانون النقد والتسليف. علماً أن هذه الدائرة كانت منفصلة ومستقلة تماماً عن بقية دوائر المصرف ومرتبطة مباشرة بالحاكم.
بموجب المادة 10 من هذا القانون، أنشئت لدى مصرف لبنان «الهيئة المصرفية العليا» التي حلت محل لجنة العقوبات المنصوص عليها في المادة 209 من قانون النقد والتسليف وتطبق عند الاقتضاء العقوبات المبينة في المادة 208 من القانون المذكور. ومن ضمن هذه العقوبات تعيين مدير مؤقت للمصرف المخالف، مع الإشارة إلى أن مؤهلات وصلاحيات هذا المدير لم تحدد في المادة المذكورة.
غير أن كل القرارات التي صدرت عن الهيئة المصرفية العليا، في ما يتعلق بتعيين مدير مؤقت لكل مصرف مخالف، كانت تتضمن اسم المدير المؤقت مع تحديد صلاحياته وفق الصيغة التالية:
«تعيين السيد ... مديراً مؤقتاً على بنك ... يتمتع بكامل صلاحيات مجلس الإدارة وصلاحيات رئيس مجلس الإدارة – المدير العام».
علماً أن الحاكم كان يختار المدير المؤقت وفق مؤهلات معينة، أهمها الخبرة المهنية الواسعة في القطاع المصرفي أو في مجال التدقيق والرقابة على المصارف.
وبالفعل، تم تعيين 9 مدراء مؤقتين بين تموز 2003 وآب 2024 يتمتعون جميعهم من دون استثناء بالمؤهلات المشار إليها أعلاه.
بتاريخ 14 آب 2025، صدر القانون الرقم 23 الذي «يتعلق بإصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها». وقد تضمن الباب الثامن منه المتعلق بالمدير المؤقت المواد التالية:
المادة 19: تعيين المدير المؤقت.
المادة 20: مؤهلات المدير المؤقت.
المادة 21: صلاحيات المدير المؤقت ومسؤولياته.
إلا أن المادة 37 من هذا القانون علقت تنفيذه إلى حين إقرار ونشر «قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع». مع الإشارة إلى أن المجلس الدستوري قَبِل الطعن به جزئياً في 3 تشرين الأول 2025، وأبقى على المواد الثلاث المذكورة أعلاه من دون تعديل.
نصت المادة 19 على أن الهيئة المصرفية العليا «تُعيّن المدير المؤقت، إذا ما ارتأت ذلك مناسباً، لفترة زمنية محددة مسبقاً وقابلة للتجديد، ويجوز لها أن تفوضه صلاحيات محددة أو موسعة، بما فيها صلاحيات إدارة شؤون المصرف الذي يتم إصلاح وضعه وصلاحيات مجلس الإدارة. يمارس المدير المؤقت أي صلاحية متعلقة بإصلاح وضع المصرف على أساس قرار خطي من الهيئة المصرفية العليا التي تحدد، بالنسبة إلى كل مصرف صلاحيات المدير المؤقت ونطاق عمله ومهماته ومدة تعيينه وواجباته تجاه الهيئة».
أما المادة 20 المتعلقة بمؤهلات المدير المؤقت، فقد نصت على وجوب أن يتمتع هذا المدير «بخبرة مهنية واسعة لا تقل عن عشرين سنة في المجالين المصرفي والمالي، مع خبرة إدارية ومعرفة معمقة بالقوانين والأنظمة المالية والمصرفية المرعية الإجراء».
كما نصت هذه المادة على وجوب أن يكون المدير المؤقت مستقلاً عن المصرف الذي يتم إصلاح وضعه. وحددت أيضاً معايير الاستقلالية، من بينها:
- «أن لا يكون بصورة مباشرة أو غير مباشرة من المساهمين في المصرف أو المؤسسات المرتبطة به في الخمس سنوات السابقة لتعيينه».
- «أن لا يكون بصورة مباشرة أو غير مباشرة قد شغل في السنتين السابقتين لتعيينه منصب عضو في مجلس الإدارة أو الإدارة العليا أو مستشار في المصرف أو المؤسسات المرتبطة به».
- «أي معايير أخرى قد تؤثر سلباً على استقلاليته بشكل مباشر أو غير مباشر».
بالنسبة إلى المادة 21، فقد نصت على أن المدير المؤقت «يمارس الصلاحيات التي تمنحه إياها الهيئة المصرفية العليا في القرار الخطي الذي يحدد نطاق عمله، ويكون عمله تحت إشراف الهيئة المصرفية العليا».
بعد صدور القانون الرقم 23، عينت الهيئة المصرفية العليا مديرين مؤقتين: الأول في أيلول 2025 وهو من مدراء لجنة الرقابة على المصارف، والثاني في شباط 2026 وقد جرى تعيينه مديراً مؤقتاً لبنك «الاعتماد المصرفي ش.م.ل.» الذي كان قد عمل فيه لحوالى سنتين متتاليتين منذ آذار 2024.
في حالة «الاعتماد المصرفي» لم يلتزم الحاكم ورئيس لجنة الرقابة بشروط القانون لناحية توفير عناصر الخبرة والاستقلالية للمدير المؤقت
بالنسبة إلى القرار المتعلق بالمدير المؤقت الثاني ميشال أبو جودة، فقد جرى تعيينه علماً أن الحاكم كريم سعيد وكذلك رئيس لجنة الرقابة على المصارف مازن سويد يعرفان أنه لا يستوفي شرط الخبرة الواسعة (على الأقل 20 سنة) في المجالين المصرفي والمالي أو حتى في مجال التدقيق والرقابة على المصارف. كما يعلمان أنه كلف بإجراء تدقيق جنائي في العمليات التي جرت في هذا المصرف ابتداء من سنة 2019 بالإضافة إلى التدقيق في أحداث مهمة (significant events) حصلت بين نيسان 2024 وكانون الثاني 2025. وقد أعد أبو جودة تقريرين: الأول حول نتائج التدقيق الجنائي، والثاني حول تكلفة الفرصة البديلة (Opportunity Cost) التي تحمّلها المصرف المعني من جراء العمليات المهمة التي تم الإضاءة عليها في التقرير الأول. ثم قدم مصرف لبنان التقريرين إلى القضاء المختص في تموز 2025 الذي استمع إلى إفادة معد التقريرين بصفة شاهد.
هذه الوقائع تثبت أن الحاكم ( بصفته رئيس الهيئة المصرفية العليا) وكذلك سويد، كرئيس لجنة الرقابة على المصارف، يعرفان تمام المعرفة أن أبو جودة، الذي عين في شباط 2026 مديراً مؤقتاً على المصرف الذي عمل فيه خلال السنتين السابقتين لتعيينه، غير مستقل عن هذا المصرف.
هذه الوقائع تؤكد إمكانية أي طرف متضرر (مساهماً كان أو مودعاً أو أي شخص آخر) طلب تغيير المدير المؤقت السيد ميشال أبو جودة بحجة الارتياب المشروع.
وضع لبنان على اللائحة الرمادية من قبل مجموعة العمل المالي (FATF) لعدم الفعالية في تطبيق القوانين المرعية الإجراء في مجال مكافحة تبييض الأموال ومكافحة الإرهاب، وليس لعدم وجود قوانين.
وعليه، يمكن أن يكون قد أساء هذا التعيين إلى صورة لبنان لدى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي المعنيين ببرنامج تقييم القطاع المالي (Financial Stability Assessment Program) الذي يهدف إلى زيادة فعالية الجهود المبذولة لتعزيز سلامة الأنظمة المالية في الدول الأعضاء، لجهة إعطاء انطباع سلبي في ما يتعلق بتطبيق القوانين المصرفية والمالية الجديدة بفعالية مستقبلاً.
تبقى ملاحظتان: الأولى لجهة أن تعليق تنفيذ القانون الرقم 23 تاريخ 14 آب 2025 إلى حين إقرار ونشر «قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع» ليس سبباً لعدم استئناس الهيئة المصرفية العليا بالمادة 20 منه لدى اتخاذها قرار تعيين مدير مؤقت للاعتماد المصرفي ش.م.ل. علماً أن كلّاً من رياض سلامة ووسيم منصوري اعتمد تلقائياً المعايير المذكورة في هذه المادة من دون وجود نص تشريعي.
والثانية تخص علم الحاكم وكل الأجهزة في مصرف لبنان (لجنة الرقابة على المصارف وهيئة التحقيق الخاصة) أن لبنان موضوع تحت المراقبة في ما يتعلق بالتأكد من تطبيق كل القوانين المصرفية والمالية بفعالية. لذلك، لا مجال للخطأ.
عضو سابق في لجنة الرقابة على المصارف